الصايغ: لبنان سبق وتأسس فما المقصود بالمؤتمر التأسيسي؟

الحوار مع الدكتور داود الصايغ المعني بالتجربة اللبنانية والدستور والجمهورية واتفاق الطائف وبامتياز، يمثل شهادة حية عن روحية الطائف، يستكشف ويتذكر ويقرأ في النصوص ويتمسك ببديهات السياسة العليا والقواعد الدستورية والميثاقية التي تأسس عليها لبنان مقدراً الحركة السياسية التي يقوم بها الرئيس سعد الحريري محاولاً فتح باب الرئاسة الموصد، وبموقعه يحمي الدولة ومؤسساتها والطائف في لحظة اقليمية حساسة ومعقدة تمادى فيها اللبنانيون بالخروج عن الدستور والتجربة الديموقراطية.

ويستعيد د. الصايغ صوراً أحاطت بموقع الرئاسة الأولى تاريخياً ويرسم ملامح دلالات عن اهمية هذا الموقع الأول ببقاء الجمهورية

يقول الصايغ: «رئاسة الجمهورية في لبنان تتنفس الحالة الشرقية وفي الشرق تتركز السلطة بصورة رئيسة بالملك أو الرئيس. في كل أنظمة الشرق السلطة مركزية وحتى في بعض الأنظمة الغربية ما خلا أنظمة في سويسرا والمانيا وفي بعض الأنظمة الملكية على غرار المملكة المتحدة أو بلجيكا، السويد وفي الدانمارك وإسبانيا وإن بدرجة أقل نسبياً.

ما أقصده هو الرمز، رمز رئاسة الجمهورية الذي كان منذ بداية الحياة الدستورية في لبنان وكانت الحياة العامة تتركز حول الرئيس وفق فلسفة مشرعي العام 1926، حيث كان الرئيس بمثابة وريث المفوض السامي والمتصرف والآمر في لبنان. السلطات تركزت حينها بيد الرئيس الوريث في بلد شرع في حياة دستورية جديدة ولم يتضح فيه دور القوى السياسية كغاية واقصد كان لبنان بلداً ناشئاً دستورياً ولهذا استوحى المشرعون الدستور المصري للعام 1923، ولهذا جاءت فكرة ميشال شيحا حول الدولة في تأديتها فروض الاجلال لله وعلى حرية الاعتقاد المطلقة كما ورد في الفقرة التاسعة من الدستور. وبالواقع هذا الدستور مستوحى من الدستور البلجيكي العام 1831.والمقصود هو الصلاحيات الكبرى التي أعطيت لرئيس الجمهورية وولايته 6 سنوات والذي أنيطت به السلطة الاجرائية. فرئيس الجمهورية هو الذي يقترح القوانين، يحلّ مجلس النواب، يعين الوزراء ويقيلهم ويختار من بينهم رئيساً. معظم السلطات كانت مركزة في رئاسة الجمهورية وتاريخ لبنان الحديث كان يجري وفق ولايات رؤساء الجمهورية واستمر هذا الوضع طوال العقود الاستقلالية الى حين بدأ العمل بالدستور الجديد المنبثق عن اتفاق الطائف.

في موازاة هذا الدستور برز في العام 1934 ما سمي بالدستور غير المكتوب وهو الميثاق الوطني وأصبح بموجبه رئيس الحكومة موقعاً جميع قرارات رئيس الجمهورية دون أن يكون ذلك منصوصاً عليه في الدستور.

بدأت المطالب تتصاعد إزاء هذه الصلاحيات التي يتمتع بها رئيس الجمهورية حتى لو كانت هذه الصلاحيات حسبما قال مرة الوزير الراحل فؤاد بطرس في الندوة اللبنانية «هذه الصلاحيات ليست لكي تمارس. وهذا الموضوع تنبه له بشكل خاص الرئيس فؤاد شهاب. لأن فؤاد شهاب فهم تحديداً صلاحيات رئيس الجمهورية وبأن هدفها المحافظة على الدستور وعلى الوحدة الوطنية واستعمال هذه الصلاحيات لصالح التطور والانماء(…).

لهذه الاسباب جرت التعديلات الدستورية في اتفاق الطائف. ومع بدء تنفيذ الطائف وعلى الرغم من هذه التعديلات بقي رئيس الجمهورية الشخصية الرئيسية والأساسية في السلطة. وهذا ما كان يؤمن به الرئيس الشهيد رفيق الحريري. صحيح انتقلت السلطة الاجرائية إلى مجلس الوزراء، ولكن رئيس الجمهورية هو الذي يرأس الجلسات متى حضر وهو شريك في تشكيل الحكومة ويملك وحده حق توقيع مرسوم تشكيلها، وهو لاعب اساسي في السلطة بما يمثّل ولجهة من يمثّل. والدستور يقول إنه رأس الدولة وحامي الدستور ورمز وحدة الوطن. وهذه صلاحيات تفسر بالمعنى الذي يعطيها فعلاً قوة العقل والممارسة وليست تعابير أدبية.. أليس هو، أي رئيس الجمهورية، المؤتمن على السيادة الداخلية والخارجية وعلى وحدة البلاد ارضاً وشعباً ومؤسسات؟ ولن أخوض في استطرادات تاريخية تبرز أهمية هذا المركز الأول«.

[ لكن تم الدخول السوري على الخط لإبعاد الطائف عن أهدافه الرئيسية ولتوظيف سياسة البلد في خدمة السياسة السورية؟

ـــــ «تطبيق اتفاق الطائف جرى بالاشتراك مع سوريا، الفترة الأولى من عهد الرئيس الياس الهراوي مارسها بصلاحيات قديمة والجزء الثاني بعد عام 1991 بصلاحيات حددها الطائف… الوصاية السورية لعبت على موضوع التوازنات بين الرئيس الهراوي والحريري، علماً ان التوازنات في لبنان هي توازن مجموعات وليست توازنات شخصية.

لهذا الطائف لم يطبّق ولم يتسنّ للبنان قبل العام 2005 ممارسة التعديلات الجديدة للطائف نصاً وروحاً. ولسنوات طويلة مارست سوريا سياسات تستهدف ابقاءها مرجعية الخلافات اللبنانية، ومرجعية لحل الخلافات والنزاعات وليس للتوفيق بين اللبنانيين. والتوفيق ما كان أمراً صعباً، ولكن ارادة السوري كانت أن تبقى الخلافات قائمة في صيغة لبنانية وهي صيغة حقيقية توافقية لا مثيل لها في العالم وهناك اسبقية في دول مثل ايرلندا الشمالية حيث تقاتل الناس كثيراً وهم يؤمنون بنفس الإنجيل ولسنوات طويلة وكذلك الأمر في المانيا في كاتالونيا، وفي بلجيكا وكندا وفي بلدان أخرى.

الوضع اللبناني مختلف عن المحيط، لأنه ببساطة ليس في لبنان اكثرية بامكانها ان تدعي ان بمقدورها ان تحكم بمفردها، وليس هناك من طائفة تدعي انها اكثرية بالنسبة للمجموعة. وفي هذا الواقع وعلى هذا الواقع تقوم توازنات السلطة في لبنان.

ثم ان النظام اللبناني هو مزيج من دستور ومن ميثاق ولذلك اتخذت المادة 65 من الدستور بعداً ميثاقياً «تؤخذ القرارات في مجلس الوزراء بالتوافق والا بالتصويت».. ففي ذلك ان التوافق شرط أساسي من شروط الحياة العامة ومن حسن سير نظام الحكم اللبناني.

هذا لا يعني انه ليس هناك من ساعدنا بالخارج عربياً وغربياً على ان نبقى متوافقين، ولكن السياسة السورية عملت على التفرقة بين اللبنانيين وهناك من مد يده ايضاً وفرّق بيننا لمصالح عديدة».

[ والوضع السياسي القائم وتقاذف المسؤوليات والجمود حالياً؟

ــــ «يعيش لبنان اليوم حالة خروج عن الدستور، نحن في حالة خروج عن الدستور، لبنان صاحب تجربة ديموقراطية بدون انقطاع منذ العام 1926.

لا ادعاء إذا قارنا تجربتنا الديموقراطية بتجربة الولايات المتحدة الأميركية مع الديموقراطية.. فرنسا نفسها في الأعوام 1875 و1946 و1958 غيّرت دستورها ثلاث مرات. نحن ما زلنا منذ العام 1926 نطبق الدستور في معظم بنوده وفي مواده الرئيسية المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية. وحرص المشرّع اللبناني في المادة 74 من الدستور على ان يقول «إذا شغر منصب رئيس الجمهورية لأي سبب كان، وكان مجلس النواب منحلاً، تجري الانتخابات فوراً بحكم القانون ويجتمع مجلس النواب الجديد باسم القانون وينتخب رئيساً جديداً للجمهورية، وهي مادة دستورية منذ العام 1926 وسارية إلى الآن ويتحوط لها المشرّع لأقصى احتمالات الشغور الرئاسي.. اي دولة حضارية ومتقدمة تخضع قضاياها ومشاكلها لأحكام الدستور وليس تلك التي تضع الدستور تحت رحمة مصالحها وارتباطاتها. الخراب يحدث عندما يتم العبث بهذا الدستور، الخراب يحدث عندما لا ينحني الحكام والرؤساء للدستور لتستمر الأوطان والدول بقوة القوانين نفسها».

[ يقال ان النموذج السياسي اللبناني التوافقي هو وصفة فشل سياسية؟

ـــــ «نعود الى الكلمة التي استخدمها الفاتيكان: لبنان رسالة وهذا الكلام يعود الى العام 1989:

«ان الكنيسة تريد ان تظهر للعالم ان لبنان هو أكبر من بلد، إنه رسالة حرية، نموذج في التعددية للشرق كما للغرب».

في فرنسا اليوم يكتشفون الأمر، معنى التعددية وفي العام الماضي إثر الاعتداء على صحيفة «شارلي ايبدو» علقت يافطة تقول «فلنجرؤ على العيش معاً» هذا النموذج في العيش معاً قدم له الجنرال ديغول مطلع الستينات كنموذج لحل القضيتين القبرصية والفلسطينية مع فارق القضيتين. فالقبارصة منقسمون إثنياً وطائفياً، فلسطين محتلة من اسرائيل وللأسف في جيل جديد لا يعرف حتى ما هو اوسلو، والبعض يتحدث عن أزمة فلسطينية ـــ اسرائيلية بدلاً عن كلمة صراع فلسطين ــــ اسرائيل. في هذا المناخ انا غير قادر على تقديم تفاؤلي عملياً. الأمور معقدة أكثر والقضية الفلسطينية ليست قضية تعايش فئات مختلفة.

أما في لبنان فليس هناك من بديل لهذه الصيغة التوافقية والموجودة والمتجذرة. ليس بامكان أحد الابتعاد عن الآخر أو الانفصال وليس هناك من مجال حتى لصيغة فدرالية في لبنان. في لبنان جميع المناطق مختلطة القرى والمدن والمذاهب مختلطة. هذه الصيغة منذ القرن السابع عشر، ايام فخر الدين كانت حكومته (إذا صح التعبير) حكومة مختلطة ومن ضمنها وزير يهودي. الصيغة التوافقية تراكمت تاريخياً حتى وصلنا الى العام 1926 والى تلك الصورة على درج قصر الصنوبر بين البطريرك والمفتي امتداداً الى الطائف.

لبنان هو هكذا.. ليس بمقدور أحد ان يفرض نفسه على الآخر لا باسم العدد ولا باسم القوة ولا بفعل الاستقواء على الداخل من الخارج«.

[ ماذا بشأن الاتصالات الفاتيكانية وما رأي الفاتيكان بالأزمة الرئاسية؟

ـــــ «منذ سنة جاء الكاردينال دومينيك مومبرتي وزير خارجية الفاتيكان بتكليف من البابا وعاد ووضع تقريرا رفعه الى قداس البابا. والفاتيكان على اتصال بالبطريرك الماروني في بكركي. وفي هذا الصدد يتحرك الفاتيكان بفعالية ايماناً منه بأهمية الوجود المسيحي في الشرق وبأهمية هذا المركز الرئاسي المسيحي الوحيد في دول المشرق العربي. وهو يقوم باتصالات مع دول الاتحاد الأوروبي ومع الولايات المتحدة الأميركية ويقوم باتصالات مع ايران ويجري الفاتيكان مباحثات مهمة حول الشأن اللبناني. ولكن الفاتيكان قوة معنوية ومرجعية معنوية ويتمتع الفاتيكان بهذه القوة المعنوية والبابا هو رأس الكنيسة الكاثوليكية التي تضم ملياراً وثلاثمئة مليون نسمة.

صحيح الفاتيكان دولة صغيرة جداً ولكن تتمتع بجغرافيا دبلوماسية نشطة وقوية وهي الجهة الوحيدة في العالم التي ليست لها مصلحة مادية على غرار المصالح في العلاقات الدولية الأخرى. والحالة السورية أمامنا حالة تطبيقية عن المصالح الدولية المتضاربة وهي السبب في استمرار الحرب السورية التي لن تتوقف إلا إذا التقت مصالح الدول الكبرى على ايقافها كما حصل معنا في الحرب الأهلية. ونتذكر كيف التأم العالم في «الدار البيضاء» أيار 1989 وتحدث العالم حينها عن «التجربة اللبنانية واعتبرها ثراءً للعرب»، وبعد ذلك انعقد الطائف بعد اربعة اشهر على اجتماعات الدار البيضاء.. الفاتيكان يسعى.. ولكن الأمور مرهونة بالوقت الذي تنتهي فيه الحرب السورية، والأمور في سوريا تزداد تعقيداً والسؤال هل نحن اليوم مرتبطون حكماً بمسار الحرب في سوريا؟.. هذا تساؤل كبير. هل يستطيع اللبنانيون ان ينتخبوا رئيساً للجمهورية بمعزل عن هذا الأثر السوري، هذا ما يسعى اليه الشيخ سعد الحريري».

[ وهل نجح الحريري في تحريك المياه الراكدة في جو الصعوبات القائمة التي يعيشها البلد، والنزاع السياسي وتقاذف القوى السياسية للمسؤوليات والجمود والتعطيل القائم؟

ــــ «أنا لم أتفاجأ بتحرّك الرئيس سعد الحريري مجدداً، وقدمت استطراداً تاريخياً مقتصراً لأفكار تاريخية ودستورية حول الرئاسة وأهميتها والموضوع شديد التماسك فكرياً ومنذ نحو السنتين أو أقل اجتمع الشيخ سعد مع مطران بيروت للموارنة بولس مطر وقال له الرئيس الحريري: «فليأت رئيس جمهورية يعذبنا 6 سنوات ولا شغور شهرين في الرئاسة الأولى». أنا وكثيرين يعرفون هذه الاستمرارية في تفكير آل الحريري، لذلك لم أفاجأ بإقدامه على ترشيح النائب سليمان فرنجية ومثلها محاولته الحالية مع الجنرال ميشال عون وفي جولاته الخارجية والداخلية وقد اجتمع مع الرئيس الفرنسي هولاند مرتين في فرنسا ومرة في بيروت واجتمع مع الرئيس الروسي بوتين للغاية نفسها محاولاً فتح هذا الباب الموصد، والا لماذا الذهاب بالداخل الى الأقصى والذهاب الى الاميركي والروسي والفرنسي والتركي والذهاب الى الروسي لكي يتكلم الروسي مع الإيراني لأنه اذا انتظرنا انتهاء الحرب السورية واذا انتظرنا مصالحة ايرانية ـــــ سعودية قد يطول الأمر وتصبح الأمور أكثر تعقيداً. الرئيس الحريري يحاول ان يفتح الباب، ويحرّك الحياة السياسية ونجح في تحريكها في لبنان من الأقصى الى الأقصى، واجترح حضوراً على الارض السياسية بعد حالة من الركود العام، لأن عدم انتخاب رئيس للجمهورية هو حالة خروج عن الدستور.

وثبت ان الرئيس الحريري يمثل هذه القيادة الموحدة، وهو صاحب مصداقية في ما يقوله وما يفعله، وهو سياسي ممتاز. جاء الى السياسة بفعل القدر وليس بقراره، ومع ذلك ومع إعلام يحاول محاصرته وتحميله مسؤولية الجمود، رأينا كيف ان الجمود السياسي في مكان آخر، وعلى الرغم من الصعوبات التي يعيشها البلد، ومحاولات التهويل، حرّك الحريري الحياة الراكدة واثبت مرة أخرى أنه «دينامو» الحركة السياسية في البلد، وهو يعلم ان السياسية لا ترحم وتعذب بعض الأحيان. مع ذلك يتمتع الرجل بصفاء وإخلاص ويعرف موقعه عند اللبنانيين وموقعه القيادي في طائفته وبين حلفائه وموقعه يحمي الدولة ومؤسساتها ويقوي الطائفة السنية، وأكثر هو ذهب الى الآخر لأنه يريد الحفاظ على الدولة برئيسها ومؤسساتها ويريد الحفاظ على الطائف ومعروف من هو وراء الطائف. والحريري يضحي والشارع اللبناني وليس فقط السني يجب ان يعرف ان الحريري الابن يناضل لحماية الدولة والطائف، والطائف هو المناصفة والعيش المشترك مسلمين ومسيحيين وبما يتجاوز الأسماء والاشخاص الى ما يحفظ التوازنات الداخلية والمهم ان يكون لبنان هو الرابح أولاً. والحريري لا يتكلم باسم طائفة، هو يتكلم محلياً وعربياً ودولياً، ويفتح الباب امام الخصوم من أجل البلد. أذكر في آخر ليلة على مغادرة لحود قصر بعبدا قال للمحيطين به «ما تنبسطوا كثير رح يصير شغور رئاسي بالبلد». هذا شغور مرعب في بلد عربي هو الوحيد في المنطقة الذي فيه رؤساء سابقون في حين بلدان أخرى خياراتها إما السلطة أو القبور. لبنان بلد عرف تداول السلطة، وهذا اساس في الديموقراطية السياسية».

[ وماذا عن التوقعات؟

ــــ «هناك هذا السعي الحثيث والجاد لفصل الاستحقاق الرئاسي الأساسي بالنسبة الى بلد يطمح ليبقى في مصاف دول القانون ويحاول احترام القواعد الدستورية لانتخاب رئيس للجمهورية وابعاد هذا الاستحقاق ما امكن عن المؤثرات الخارجية. وهذا هو سبب حركة الرئيس الحريري. لأنه اذا بقينا في دائرة الانتظار سوف يزداد البلد انهياراً على المستويات كافة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحريري يحاول اجتياز كل الحواجز للوصول الى الهدف».

[ لديك اتصالاتك الدائمة مع بكركي؟

ــــــ «بكركي تعتبر نفسها مؤتمنة على لبنان وعلى الجمهورية وهذا دأبها تاريخياً وتجد نفسها ملزمة بالتعبير عن ذلك ازاء مجموعة من التطورات التي تؤثر على الوضع اللبناني وتخرج بمواقف محددة. وفي ظروف كالتي تعيشها المنطقة بكركي قلقة، وفي الذكرى المئوية على ولادة سايكس ــــ بيكو ايار 1916 التي وزعت مناطق النفوذ، ماذا يمكن ان يقال عن حقول الركام والدمار والمآسي في سوريا، او العراق الذي لا يصل حتى الى صيغة فدرالية والى الظاهرة الداعشية التي تضرب القيم والتي تحاول تشوية صورة الاسلام المعتدل، والتي ينهض اليوم ممثلو الاسلام الحقيقي والمتسامح مثل سعد الحريري وغيره ليقولوا كلمتهم بالرفض لهذه الظاهرة وبإعادة التأكيد على تمتين التجربة اللبنانية التي لا تقوم الا على الاعتدال. والاعتدال ليس ترفاً لبنانياً، هو حاجة حياتية مثله مثل الحوار. والاعتدال هو من اركان وجود لبنان. هذه هي فلسفة الكنيسة، فلسفة الحياة، في الجامعة والجيش والحي والمدينة.. انبثق الكيان اللبناني من خلال هذه التجربة. ومنذ العام 1922 جاء القرار عن المسؤول الاداري الفرنسي، «جميع الناخبين ينتخبون جميع المرشحين»، وهذا تكملة لانتخابات مجلس الادارة في جبل لبنان النصف بالنصف.

هذا النظام انبثق من هذه التجربة، واي جهة لا ترى ذلك مرفوضة، والأنظمة التي لا تعترف بذلك، أي التعددية، تتهاوى الى مجاهل التاريخ هذا سبب وجودنا«.

[ وإذا كان «حزب الله« لا يعتبر ان انتخاب رئيس جمهورية يحقق أهدافه الاستراتيجية وهي اكبر من رئيس الجمهورية وأي تعديل دستوري أكان في لبنان أو سوريا؟

ـــــ «ما عاد بدهم معتدلين. بدهم تأسيس نظام جديد؟ انا أسأل عن معنى المؤتمر التأسيسي الذي يدور الكلام عنه بالهمس والعلن، هل هو لإعادة توزيع الصلاحيات، هل هو لضرب التوازن الوطني، هل هي محاصصة اكثر من القائمة حالياً، هل هو لإنشاء نظام على غير قواعد الديموقراطية والبرلمانية والحرية الليبرالية؟ أنا لا أعرف الى الآن ما المقصود بالمؤتمر التأسيسي، لهذا السبب لا أعتقد ان مثل ذلك ينجح لأن لبنان سبق وتأسس ولا يمكن تأسيسه الا على القواعد ذاتها التي تأسس عليها وعلى مجموعات طائفية تعيش بعضها مع البعض الآخر على قواعد الوفاق والاعتدال وحرية المعتقد وعدم الغلبة، ولا يحكم الا بالوفاق والشورى والتفاهم في اطار دولة هي الضمان والتي تحمي الجميع. وإذا فعلا حزب الله لا يريد رئيساً للجمهورية فالجمهورية في خطر والطائف في خطر، كل شيء في خطر، وحركة الرئيس الحريري هي عملية انقاذ للجميع عملية انقاذ للبنان، للآخر، لفكرة لبنان أولاً، للعيش الواحد، لمفهوم الشراكة الوطنية، للدولة ومؤسساتها للحرية.. ومن دون انتخاب رئيس للجمهورية لبنان لن يبقى، خاصة اذا استمر فريق لبناني في حربه في سوريا. وحركة الحريري فحواها ان تقول للجميع لبنان أولاً، حركة لدرء الأخطار المحدقة، وهو رافع شعار «السماء الزرقاء تتسع للجميع» والحريري نفسه كان بإمكانه تشكيل حكومة من لون واحد وشكّل حكومة وحدة وطنية، وعانى محاولاً التفاهم الى ان وصلوا الى حد اسقاط حكومته وهو موجود في البيت الابيض وتبلّغ الأمر من الرئيس اوباما نفسه! هذا الرجل وهذا البيت السياسي مجرد وجوده بهذا الاخلاص والقدرة على التحرّك من شأنه المحافظة على الدولة ومؤسساتها وعلى الطائف والدستور وعلى كل ما يمثله لبنان ودرءاً للأخطار الخارجية وتحصيناً للداخل وكيف يتم تحصين البيت الداخلي بمنازل كثيرة اذا عجزنا عن إعادة عجلات الدولة السياسية؟!«.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مروان حمادة

حمادة: نمثل 100% من هذا الوطن.. ونريد التمثيل الصحيح

دشن تيمور جنبلاط، الملاعب الرياضية لمؤسسة العرفان التوحيدية في السمقانية الشوف، بدعوة من المؤسسة، والتي ...

نافذة العرب بالشكل الجديد!

نعتذر من جميع الزوار الكرام عن توقف نشر الأخبار بشكل مفاجئ ولكننا نقوم بتحديث الموقع للشكل الجديد.. إنتظرونا!