فلسطين

الأرض بتتكلم عربي..

تبقى حكاية الأرض الفلسطينية في الذكرى الحادية والأربعين لأوّل احتفال بيوم الأرض، خضراء كما غادرها العدد الأكبر من الأهالي رغماً عنهم، إثر نكبة الـ1948. كانوا بمعظمهم يعملون في الزراعة وفي تسميد الأرض وفي ري المزروعات التي استُهدفت كما استُهدفوا، فشلّعت الجذور وبات الفلسطيني هو الآخر في الشتات كما في اللجوء كما في الداخل عنيداً ومقاوماً. وفي خضم روائح الموت والرصاص الحي 

وقنابل الغاز، وحده آذار يحمل الربيع اليهم والى ذكريات باتت في عهدة الأمس المنتظر رجوعه. ذكريات تبقى زكية بعبق تراب الارض وبأحمر الدماء التي عبّدت الأرجاء، وبالنسمات التي تحمّلها فلسطين السلام الى نحو نصف مليون لاجئ فلسطيني يعيشون على الأراضي اللبنانية ويتقاسمون معاً هموم القضية والأثمان الغالية التي دفعت كرمى لحلم العودة ولذلك الأمل بحل يعيد الفلسطيني مكرماً الى دياره التي لا يهم إن تبدلت مواقعها وجغرافيتها طالما أن في جذورها تعد البذور بأكثر من ربيع.

لكنّ آذار ليس موعداً للربيع فحسب، ومعه يجدد الفلسطيني دماء الانتفاضة كما تعاقب الفصول، منذ عملت سلطات الاحتلال في العام 1976 على مصادرة 21 ألف دونم من أراضي الجليل والمثلث والنقب، فكانت انتفاضة ومسيرات من الجليل الى النقب، وكانت مواجهات أسفرت عن سقوط شهداء وجرحى إنما أسهمت لاطلاق يوم الارض الذي بات مناسبة محورية في الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي، وفي استعادة تاريخ نضال مشرّف تحتويه الضلوع المثقوبة كما قصيدة لدرويش يخبر فيها عن آذار، وعن سنوات الانتفاضة، وعن الأرض التي قالت أسرارها الدموية، وعن بنات مررن أمام البنفسج والبندقية، بنات وقفن على باب مدرسة ابتدائية، واشتعلن وافتتحن نشيد التراب..

وفي آذار الغدّار، تشتعل الذكريات في الشتات بحكايات يقصها كبار السن عن الأيام الخوالي، وعن فلاحين كانوا سعداء بمحاصيل أراضيهم من الزيتون والكوسا والخيار والبطيخ في السهول المجاورة، وكان البطيخ لا مثيل له، حلو الطعم احمر اللون. وكانت المدن العربية تطلبه كثيراً، ثمّ جاءت القرارات الاسرائيلية بمصادرة الاملاك ومعها الخيرات والارزاق، لترتفع المستعمرات وتتبدل القرى والامكنة في الحدود والاسماء وملامح قاطنيها.

وفي آذار الأرض، بعد 69 عاما على النكبة، يقرع جهاز الاحصاء الفلسطيني ناقوس الخطر المتمثل في استغلال الاحتلال أكثر من 85 في المئة من مساحة فلسطين التاريخية، في حين يشغل الفلسطينيون نحو 15 في المئة من مساحة الأراضي.

وفي آذار المنصرم هذا، تواشيح الأرض بلون تواشيح دماء الشهداء الذين لا يخلو يوم من دون أن يتكاثروا، وهي نفسها تواشيح العيون التي في اللجوء تذرف الدمع على الآباء والأجداد الذين غادروا قبل أن يستردهم تراب فلسطين وثراها، وهي نفسها تواشيح الكلمات على امتداد العشب الذي نما في الخطابات وإحياء الذكرى.. وفلسطين لا تزال قريبة من العين بعيدة من المنال.

وفي آذار، وحده التراب امتداد للأرواح التي أزهقت والتي لا زالت تنبض: «الأرض بتتكلم عربي..الأرض..الأرض».

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

علم لبنان

بمناسبةِ عيدِ العمّال عودةُ اليسارِ من بابِ اليمين

منعاً للالتباس، هناك فارقٌ بين تغييرِ النظام اللبناني وبين تغييرِ سلوكِ أهلِ النظام، والاثنان ضروريّان. ...

نافذة العرب بالشكل الجديد!

نعتذر من جميع الزوار الكرام عن توقف نشر الأخبار بشكل مفاجئ ولكننا نقوم بتحديث الموقع للشكل الجديد.. إنتظرونا!