الكوميديا النيابية: من انتقم من عون؟

تكاد تكون الجلسة الأطول والأكثر فكاهة بالنسبة إلى البعض، أو استفزازاً للبعض الآخر. لكنها في النهاية منحت ميشال عون لقب الفخامة، فصار الرئيس الثالث عشر للجمهورية. ولم تخلُ الجلسة من بعض الخروقات البروتوكلية التي استوقفت النواب. في الجلسة هرج ومرج، الرئيس نبيه برّي وصف عدداً من النواب في الصفوف الخلفية بأنهم “في مدرسة المشاغبين”. كان هؤلاء مزيجاً من 8 و14 آذار، سليمان فرنجية وعقاب صقر إلى جانب أسطفان الدويهي وأسعد حردان وآخرون، لم يلتزموا بقواعد “الصف” فوجّه الأستاذ أكثر من ملاحظة إليهم. لم يُنتخب عون من الدورة الأولى كما كان متوقعاً، حصل على 84 صوتاً، مقابل 36 ورقة بيضاء وألغيت 6 أوراق خمس منها كتب عليها “ثورة الأرز مستمرة من أجل لبنان”. وهذه تعود إلى نواب كتلة الكتائب، وفق مصادر “المدن”، بالإضافة إلى صوت لعارضة الأزياء ميريام كلينك، وآخر للنائب جيلبيرت زوين.

وبسبب عدم حصول عون على 86 صوتاً، أي ثلثي المجلس، دعا برّي إلى دورة ثانية، دار الصندوق على النواب، وبعد انتهاء التصويت، تبيّن أن في داخله 128 ورقة علماً أنه من المفترض أن يحتوي على 127 فقط بعد استقالة النائب روبير فاضل. فاقترح بري أن يتم الفرزن وإذا ما كان الفرق صوتاً واحداً يبحث الأمر، فاعترض النائب سامي الجميل. ما دفع برّي إلى إعادة الدورة، لتعاد الكرّة ويتبّين أيضاً أن في الصندوق 128 مغلفاً. ما أغضب رئيس المجلس الذي أمر بالبدء في الفرز، لكن الجميل أيضاً سجّل اعتراضه وتوجه إلى بري بالقول: “دولة الرئيس، أنتم تتحملون المسؤولية لأن الأوراق تأتي من قبل المجلس وهي ليست بحوزتنا”. فيما توجه بري إلى النواب بالقول: “لبنان بأسره يتابعنا، وهناك هيئات ديبلوماسية موجودة معنا داخل القاعة. وما حصل ليس مدعاة للفخر”. أضاف: “صرلنا زمان ما انتخبنا، لنا حق نتعلم… يا عيب الشوم”.

في هذا الوقت، كان معظم النواب يتحدثون أو يلهون بهواتفهم، وأبرزهم النائب وليد جنبلاط الذي لم يكف عن التغريد على تويتر، كاتباً: “دورة ثانية، منعادة يا شباب منعادة”. وفي الثالثة غرّد: “نصوت مجدداً، هذه هي الديمقراطية”. ليختم: “هلموا يا شباب العرب، روما تنتظر”. ولدى فوز عون غرّد: “عاش الرئيس”.

وفيما علا صوت أحد النواب المعترضين على عون مطالباً بتأجيل الجلسة، اقترح بري أن يوضع الصندوق في وسط القاعة العامة، على أن يخضع لمراقبة النائبين أنطوان زهرا ومروان حمادة. ما استدعى وصفهما من أحد النواب بحرّاس الهيكل. وأثناء إدلاء النواب بأصواتهم لم يكف بري عن مزاحه المعتاد، رغم إدارته هذه الدورة وكأنه يدير مدرسة ويتعاطى مع تلامذة، حين سمع إسم النائب عقاب صقر، قال له بري: “تعى، صرلنا زمان ما شفناك. إنت وعصام صوايا”. وفيما كان الأمين العام للمجلس ينادي أسماء النواب بسرعة تسببت بزحمة أمام الصندوق، توجه إليه بري ناهراً: “شو اشبك انت، طول بالك شوي”. أما لدى مناداة النائب وليد جنبلاط للإدلاء بصوته دعى بري النواب إلى فسح الطريق أمامه.

وفيما لم يتمّ التأكيد من واضع الظرفين، ومن المقترع لزوربا اليوناني، بدا لافتاً حفاظ عون على هدوئه، طوال الجولات الأربع. أغلب الوقت كان محاطاً بالنائبين سيمون أبي رميا وآلان عون، يحتسبان الأصوات في لحظات الفرز. وقد زاره الوزير جبران باسيل أكثر من مرّة. وفي الجولة الرابعة لم تختلف النتيجة كثيراً، حصل عون على 83 صوتاً، مقابل، 36 ورقة بيضاء، وصوت للنائب ستريدا جعجع، وست أوراق ملغاة من بينها أيضاً ورقة تحمل اسم ميريام كلينك. وفور تخطي عدد الأصوات 65 لمصلحة عون، علا تصفيق نواب التيار الوطني الحرّ، فيما عون ينظر في اتجاه عقيلته وبناته.

لم تخل الجلسة من الأخطاء البروتوكولية، فبعد فوز عون، لم يتوجه رئيس المجلس إليه في مقعده واصطحابه إلى المنصة، بل انتظره في موقعه. ولم يتم وضع السجاد الأحمر على مدخل المجلس ليسير عليه الرئيس المنتخب. أما بعد إعلان النتيجة فتوجه بري إلى عون بالتهنئة والقول: “أرحب بك تحت قبة البرلمان الذي أنت أحد أركان شرعيته، وانتخابكم يجب أن يكون بداية وليس النهاية. والمجلس مستعد لمد اليد لإعلاء لبنان”. وختم: “باسمي وباسم مجلس النواب نقدّم لكم جزيل التهاني في انتخابكم رئيساً للبلاد في هذه الظروف الصعبة”. لكن اللافت بعد ذلك، أن برّي لم يقل: “إني أعلن النائب ميشال عون رئيساً للجمهورية”. ولم يرفع الجلسة لمدة نصف ساعة ليتم فيما بعد عقد جلسة أداء القسم، بل حصل ذلك فوراً. وأقسم الرئيس اليمين، لكنه أخطأ في بدايته إذ قال: “أحلف باسم الله” بدلاً من أحلف بالله العظيم. ما دفع بري إلى الهمس: “فخامة الرئيس لقد فزت، ولا داعي لقراءة القرآن”. بعدها، تلا عون خطاب القسم قائلاً: “من يخاطبكم اليوم هو رئيس الجمهورية الذي أوليتموه مجلساً وشعباً ثقتكم لتحمل المسؤولية”، مضيفاً: “أتيت في زمن عسير ويؤمل مني كثيراً لتخطي الصعاب”. ودعا إلى “تنفيذ الميثاق الوطني من دون انتقائية وتطويره وفقاً للحاجة وفي جزء منه دستور وتعهدات وطنية ولا يمكن أن يصار إلى تطبيقه بصورة مجتزأة”، مشدداً على ضرورة “إقرار قانون انتخاب يؤمن التمثيل”.

وتوجه الرئيس ورئيس المجلس ورئيس الحكومة إلى صالون الشرف في المجلس حيث تقبلوا التهاني، ليترافق الرئيسان فيما بعد إلى الخارج حيث استقل عون سيارة رئاسة الجمهورية وتوجّه إلى القصر الجمهوري، بعدما سبقته عائلته إلى هناك، حيث وقّع فور وصوله مرسوم إقالة الحكومة واعتبارها حكومة تصريف أعمال. على أن تتركز الأمور على تكليف رئيس جديد للحكومة وتأليفها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

علم لبنان

بمناسبةِ عيدِ العمّال عودةُ اليسارِ من بابِ اليمين

منعاً للالتباس، هناك فارقٌ بين تغييرِ النظام اللبناني وبين تغييرِ سلوكِ أهلِ النظام، والاثنان ضروريّان. ...

نافذة العرب بالشكل الجديد!

نعتذر من جميع الزوار الكرام عن توقف نشر الأخبار بشكل مفاجئ ولكننا نقوم بتحديث الموقع للشكل الجديد.. إنتظرونا!