“تجريم” المقتول و”تكريم” القاتل!

يقول أحد الروائيين، ” قديماً كان يوجد الفرد الذي يعلن أنه على إستعداد لأن يضحي بنفسه إذا كان يستطيع إنقاذ العالم”،  و جازماً أعتقد أن هؤلاء الأفراد يظهرون الآن  في شكل آخر، وأؤمن بأن كثيرا منهم يعتنقون ذلك لأنهم كما يصرحون و يعلنون يريدون أن يقووا عزيمتهم و يمتنوا ثقتهم بعالم يؤذيهم ومن معهم و عليهم أن يعيشوا فيه.

قد لا يكون مستغرباً عند البعض أن يجتاز شاب في مقتبل العمر مكتنزاً غيرةً و عاطفةً  حاجزاً روحياً يهدد حياته بل و ينهيها، و يقتل نفساً لا ذنب لها إلا أنها تمثل بلد تمارس إدراته سياسة هي في نظره و مثله كثيرين في هذا العالم، أفعالاً مدانة جائرة منحازة تدخل في صندوق مصالحها و أطماعها لا تقيم للإنسانية و الحق أي إعتبار. لكن المستهجن حقاً و المبهم بالنسبة لقليلين هو سرعة تنفيذ حكم الإعدام بحق مطلق النار من دون محاكمة، و هو المستسلم أصلاً كونه جاهر بإقتراف ذنب بات بموجبه متهم بإرتكاب جريمة موصوفة عن سابق إصرار و تصميم  و أمام مرأى ملايين الناس و تناقلتها مباشرة أو بالتواتر وسائل الإعلام، كان بالإمكان ببساطة إلقاء القبض على الجاني و محاكمته، لكن على ما يبدو هي تراجيديا جديدة تروي فصلاً جديداً من فصول الحرب السورية و تحديداً ما حصل ل حلب و في حلب و على حلب و حول حلب و فوقها بمشهدية مسرحية أبطالها هنا السفير و الشاب و جمهورها العالم بأسره الحاضر أبداً من خلال مشاهدته لما يحصل عبر الأثير و الأقمار و وسائل التواصل و الإتصال.

الشعارات التي أطلقها الشاب القاتل تشبه كثيراً بل تتطابق إلى حد كبير مع كلام حكومة بلاده مالكة مسرح الجريمة و رئيسها، فيا ليتها لم ترده قتيلاً، يا ليتها حاكمته أمام عدسات الكاميرات، ليشاهد محاكمته كما كان لجريمته ملايين الناس، يا ليتها إستمعت إلى جنونه علها توقظ ضمير من تبقى من العاقلين القانعين القانطين المستسلمين للأقدار. لكن هذا اليقظة على ما هو ظاهر أنهت أنفاسه فوراً و أنهت معها فرصة لإسماع الصم آهات المذبوحين، و البكم صراخ الرافضات المغتصبين، والعمي من مشاهدة صور العُجز و صدمة الأطفال الموهولين، يا ليته حوكم في محكمة العدل الدولية سالما معافى و لم يدفنوه قبل أن تدفن الجثث التي تملأ  شوارع حلب و التي ستجبر العالم أن يلتزم بناء مدن للمقابر على الطراز الحديث ، هو مجرم بالتاكيد لأنه قتل بريئا حكومته تشارك في قتل أبرياء بالآلاف إن لم نقل بالملايين.

لا يمكن للجريمة لا البارحة و لا اليوم و لا غدا أن تنقسم إلى قسمين، إلى جريمة نظامية و أخرى معارضة، لا يمكن بالمنطق (إن وجد) أن يكون هنالك جرائم رسمية و أخرى غير رسمية، لا يمكن للعقل أن يستوعب فعل الابادة الجماعية بحجة إستعادة الشرعية، و لا يجوز أن تزهق نفس بحجة كفرها بالسلطة، لا يوجد في هذا الكون بتاتاً إجراماً بالطرق الدبلوماسية و إجراماً بالبزة العسكرية، هنالك جرائم فظيعة ترتكبها أجسام من المفترض انها لكائنات بشرية بين أكتافها جماجم لكنها فارغة عظمية.

لقد نال القاتل مراده فالحديث الشريف يبشره بالجنة إن نصر أخوه مظلوماً، لكن يقيناً المظلومين أو من تبقى منهم أحياء بالتحديد مازالوا يقفون أمام حواف الضمير عند صحراء الذمة في ضياع كامل للوعي، ذاك الوعي الذي بات يجرم المقتول و يكرم القاتل.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

علم لبنان

بمناسبةِ عيدِ العمّال عودةُ اليسارِ من بابِ اليمين

منعاً للالتباس، هناك فارقٌ بين تغييرِ النظام اللبناني وبين تغييرِ سلوكِ أهلِ النظام، والاثنان ضروريّان. ...

نافذة العرب بالشكل الجديد!

نعتذر من جميع الزوار الكرام عن توقف نشر الأخبار بشكل مفاجئ ولكننا نقوم بتحديث الموقع للشكل الجديد.. إنتظرونا!