ميشال عون وسعد الحريري

حرب المصالحة

“ذلك هو سرّ النعمة، مهما تأخرت، تصل”
فرنسوا مورياك

هناك منتصر، ومجموعة مهزومين، بأسماء أخرى. وثمة مطالعات كثيرة في الوصول إلى خيار الجنرال عون، لكن الحقيقة واحدة: هو الذي يؤدي القسم. ومن أدبيات الفوز والخسارة، تلطيف عبارات الربح عند الفائز وتبرير معاني الاقرار عند القابلين، لكن الخلاصة السياسية واحدة: دورة الجمهورية توقفت عند ميشال عون، وسوف يدخل لبنان معه، جمهورية جديدة بأدوات ومسميات الجمهوريات السابقة، بما فيها كل ما رفضه وحاربه.

تجاوز عون جميع خصومه القدامى والجدد، وجميع سنوات الخلاف، وذهب إليهم وجاءوا إليه. التحول الاكثر اهمية وعمقاً كان مشهد الفرحة في معراب بعد عقود من الصراع العنيف. والثاني كان زيارته الأولى لسعد الحريري في باريس. والثالث سلسلة الزيارات العاجلة إلى آخر سواري العصيان، من عين التينة إلى كليمنصو، حيث استقبله وليد جنبلاط ومعه هنري حلو، المرشح المعلن الثالث. يوزع وليد بك النكهات المنعشة عند جفاف الحلوق. لسنا هنا في النماذج التي اعتدناها في “المعارك” الرئاسية: تنام على اسم، وتفيق على آخر، ويُفتح بوفيه المرطبات للجميع. لبنان الراهن، ذاهب نحو تكونات بعيدة، تحيط به بحار من المتغيرات الجوهرية في المنطقة، والخوف من الرياح إذا علت به وإذا هبطت، والتوجس إذا هدأت.

الكلام عن ادبيات الطائف ولطائف الدستور و”الاستشارات” الوزارية والنظام البرلماني، ملطّفات جميلة وصور تذكارية مفرحة، لكن الرئيس الجديد أقوى من الطائف، وسوف يمارس قوته. ولن يتوقف قليلاً أو كثيراً عند “الصلاحيات” المنصوصة. وعلينا أن ننتظر لنرى في أي اتجاه، وبأي سرعة، سوف يتجه بالبلد، مدعوماً بقوة لم تتزحزح انملة في تأييده، ومُواجهاً مجموعة قوى كانت تجمعها معارضته ويفرقها الآن انتخابه.

قَلَبَ عون صورة الخريطة السياسية في لبنان برمّتها، في سلسلة مفاجآت، أولاها ضم “القوات” إلى خياره السياسي. ومع خروج سمير جعجع غير المعلن من 14 آذار، بدأ انفراط الحركة بعد وهنها البطيء والطويل، وبعدما كان هو رأس الحربة في مواجهة سوريا، اصبح طليعة المؤيدين. ومنذ عودته من باريس، لم يبق شيء، أو أحد، كما هو .

قاد حرباً يومية في كل الاتجاهات، فيما يعلن أنه ضحية “حرب كونية”. واشعل في تياره ناراً معاكسة تماماً للنار التي كانت تحركه. وقد نجح، بينما الآخرون يتساءلون، كيف يمكن ذلك. وكان ذلك ممكناً. كل ذلك كان ممكناً.

خاض خصومه ومعارضوه المعركة معه، بالوسائل التقليدية، وخاضها بكل الوسائل، حتى “من تحت الزنار”، ولم يسأل كثيراً عن الأصول والأعراف، فهو مدرك في نهاية المطاف، حقائق السياسات والطبقة السياسية، وعارف بحقائق المطالب.

كان كسروان لبكي يردد المثل الفرنسي القائل “أمس والعصر الحجري سيّان”، فما قد مضى أصبح ماضياً. وكم يتمنى كل لبناني أن تكون المصالحة الوطنية أبعد بكثير من الاتفاقات والمداولات التي ادّت إلى ساعة الاقتراع. فالبلد كان يغور منذ سنوات في قعر هاوية عميقة، تحركها الهدنات بدل الحلول ، والتسويات بدل الحقائق، والحوارات المغلقة بدل المتاريس المعلنة.

إذا لم تكن الرئاسة قد انهت مرحلة طويلة من تفريغ الحياة السياسية والعمل الوطني، تكون الرئاسة قد تحركت وبقيت الجمهورية في مكانها. فالصفحة الجديدة ليست فقط لحظة الاقتراع. والفوز الحقيقي والنهائي لن يكون بغليان الانتصار، وإنما بتواضع الكسب. ومن الفولكلوريات طبعاً العودة إلى ذلك الشعار الرفيع “لا غالب ولا مغلوب”. لكن حقائق المرحلة تتجاوز جماليات الماضي. فهناك اليوم فريق غالب يمثله الجنرال عون، وهناك فريق متراجع، تمثله مجموعة من القوى السياسية التي خسرت معركة المبادىء والمواقف، وما يُسمّى في الغرب هذه الأيام “جيوسياسية المشاعر”.

من المبكّر أن نبدأ البحث عن “طريق الخروج”. ولا يزال امام الرئيس الجديد أن ينتصر الآن على ما حوله. وأن يكتشف المزيد من مجاهل السياسة والكهوف السياسية. وأمامه طبعاً أن يُعد لعهده ويعطي عنه الصورة المنتظرة: هل هو للمشاركة التي طالما طالب بها والحّ عليها، أم أنه سوف يضعف أمام فروض التحالفات ووعود الطريق؟ دعك من وعورتها.

الكلّ يعرف أن الوضع اليوم أصعب من الأمس. فحتى لحظة الانتخاب كان في امكان الجنرال، أن يُعارض من يشاء وأن يوالي من يشاء. لكن الرؤية إلى لبنان من طريق بعبدا ليست ابداً الرؤية إليه من قلب بعبدا. ومهمة، أو رسالة الرئاسة، كانت على الدوام ترميم الخواطر وليس كسرها. فلم تُكسر خواطر الأهالي مرة إلاّ وانكسر معها لبنان منذ العهد الاستقلالي الأول. وليست هذه المرة الأولى يصل فيها رئيس حزبي إلى القصر الجمهوري، فقد سبقه ثلاثة من حزب الكتائب اللبنانية، كان أولهم الرئيس الفرد نقاش، قُبيل الاستقلال، ومن بعده الرئيسان بشير وأمين الجميل خلال الحرب. وبعد تجربة اميل اده، اخفقت الكتلة الوطنية في ايصال مرشحها على رغم الصمود الطويل على دروب القصر، الصورة الساخرة للعميد والخاسر أبداً شعب لبنان العظيم. فقد احب عليه – الشعب العظيم – أكثر مما احبه، وطُرب له معارضاً، لا فائزاً، لأنه كان يكثر من الكلام عن القانون، ويمارس النزاهة بشدة تدعو حقاً إلى النرفزة.

من العيب ألا يكون لدينا ما نعد به ابناءنا سوى الماضي. وكم هو معيب أن إحدى اوائل الدول المستقلة في العالم اقتضتها سنوات للاتفاق على توافق مبدئي حول صيغ للخروج من الفراغ. وليس ذلك طبعاً من علامات الاستقلال، وإنما من علامات التقهقر الوطني الذي عبر الطوائف والمؤسسات والفئات.

تصرف اللبنانيون دوماً على ان العمل السياسي ليس مسؤولية الناس. والسبب أن كل جهدهم ومحاولاتهم في بناء المؤسسة كانت تزول أمامهم في لحظة واحدة. ولذلك، حاولوا أن يبنوا وطناً موازياً لا علاقة له بالاهتراء الرسمي. غير ان هذا الحل كان سريعاً وخاطفاً. وتبين لهم أنه من دون الحد الدنى من الدولة، لا يقوم اقتصاد، ولا ينمو نمو، ولا تستقيم أحوال الناس، وخصوصاً البسطاء والمتروكين والمستورين.

هل يُعطى “المجتمع المدني” دوراً للمشاركة في عهد الجنرال عون؟ هل البانوراما السياسية إلى توسع أو إلى المزيد من الضيق؟ جميعنا نعرف أن لبنان الماضي أصبح صورة تذكارية على الجدار. اسماء كان لها عصرها وزمنها وأهلها. وبالكاد هي باقية في حواشي كتب التاريخ المدرسية. فالواقع الطاغي لا يترك للسراج دوراً كبيراً في محيطات الظلام المحيقة بنا. ولكن هل هذا يعني الاستسلام للهوائج العاتية في كل صوب؟

نأمل العثور في هذه اللحظة على لغة مشتركة ولهجة لائقة، وأن نخاطب الناس كأهل، وليس كأيان. الهدوء اكثر اقناعاً وأطيب وقعاً.

مع الرئيس الجديد، جمهورية جديدة. فالقطيعة لا يمكن أن تطول بين الأوراق البيضاء والأوراق المعلنة. ولا بد أن تلتقي غداً الدوائر المنفصلة: دائرة الرئاسة، ودائرة البرلمان، ودائرة الحكومة. والأهم ان تلتقي مع الناس، لا عليها، فقد طال الفراق بين الإثنين حتى خُيل إلينا أن الشطط هو الحقيقة الوحيدة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

علم لبنان

بمناسبةِ عيدِ العمّال عودةُ اليسارِ من بابِ اليمين

منعاً للالتباس، هناك فارقٌ بين تغييرِ النظام اللبناني وبين تغييرِ سلوكِ أهلِ النظام، والاثنان ضروريّان. ...

نافذة العرب بالشكل الجديد!

نعتذر من جميع الزوار الكرام عن توقف نشر الأخبار بشكل مفاجئ ولكننا نقوم بتحديث الموقع للشكل الجديد.. إنتظرونا!