من حلب إلى صنعاء القتل هو القتل والإدانة واحدة

700 ضحية، بينهم 140 قضوا، في هجومٍ استهدف مجلساً للعزاء في صنعاء.. الإنسانية لا تتجزأ، فاستهداف المدنيين مُدان، مهما كانت جنسيتهم وسياستهم  وعرقهم ولونهم ودينهم أو مذهبهم.

ممّا لا شكّ فيه أنّ كارثة حلب خاصة وسوريا عامة هي أمّ الكوارث، فالصورة المشوّهة الدموية التي يترجمها كل من النظام الأسدي والعدوان الروسي، تشكل محرقة، تخطت ببشاعتها كلّ مجازر التاريخ وحشية.

إدانة ما تشهده حلب من قتل وتنكيل وتهجير، أمرٌ مسلم به، ولا حاجة لا لتقديم براءة ذمة ولا لتجديد الولاء، فقضية الثورة السورية هي نهج وخط وليست خيار، لأنها ببساطة ثورة الحق، وثورة المظلوم، وثورة الحسين في القرن الواحد والعشرين.

إلا أنّه، لا يمكن لمن يُدين محرقة حلب، أن يصفق للهجوم الذي استهدف مجلس العزاء في صنعاء، وأن يحوّلها لمعادلة رياضية، تكون نتيجتها بضع مئات في اليمن لا قيمة لموتهم أمام مئات الآلاف في سوريا.

هذا التعاطي مع الجريمة، هو انعكاس لعصبيتنا، ولثقافة الموت والجريمة، فالمدني (مدني) سواء كان حلبي أم حوثي ..

ثقافة التطرف، أظهرها البعض جلية يوم أمس السبت (8 تشرين الأول)، فسمح لإنسانيته أن تهبط إلى الحضيض ناظراً للقتلى المدنيين على أنّهم “أرقام” سقوطها مباح، والسبب برأي هؤلاء أنّ هناك طاغية وممانعة وميليشيات،  اجتمعت على ارتكاب ما هو أكثر فظاعة في دولة أخرى.

منطق العصبية هذا يصطدم بالشخصية المتناقضة، وبمنطق براءة الذمة والتخوين والاتهام، فهؤلاء الذين لم يتعالوا فقط عن إدانة جريمة اليمن وإنّما اتهموا من أدانها بالتقية تارة، وبالتضخيم تارة أخرى وصولاً إلى حد التشكيك بموقفهم المتضامن من “حلب” وبمصداقيتهم. كانوا سوف يكونون أوّل المستنكرين لو أنّ الجريمة نفسها قد استهدفت موسكو أو واشنطن، عواصم الدول الكبرى الراعية للنظام الإرهابي في سوريا، كما كانوا سوف يتسابقون إلى التبرؤ من الإرهاب ومن الدم، متفاخرين بإعلاء صوت الحضارة والتآخي ومؤكدين على الرفض العلني لثقافة الانتقام من المدنيين.

لو كانت جريمة اليوم روسية أو أميركية، أو بالمطلق ذات وجه غربي، لتوافد أكثر المتعصبين والرافضين لإدانة حادثة صنعاء إلى صخرة الروشة ليضيء بها علم الدولة المنكوبة وليقف وقفة صمت طويلة، دون أن تسعفه ذاكرته أنّ قائد هذه الدولة التي يتضامن مع ما ألم به، يرسل جيوشه لتقتل الشعب السوري في حلب!

هذه الصورة الساخرة هي الواقع (مع التأكيد على إدانة التعرض لأي مدني من مشرق الأرض لمغربها)، أما مشكلتنا في اليمن فهي ليست الحوثيين ولا حتى إيران، مشكلتنا الحقيقية في العصبية، إذ نخشى أن تترجم إدانتنا اتهاماً للسعودية، فنغض البصر  عن مئات الضحايا وعلى خطى الأسد نقول “ما في شي بصنعاء”. إسوة بمن قال “ما في شي بحمص”

لو كانت صنعاء موسكو لو؟؟ ولو كانت الجريمة ببلاد القيصر الروسي، لسخرت من كل فلاسفة الدم ولقلت لهم: “أين الذي كنتم تتبجحون به؟ وأين تنديدكم بنا، لأن انسانيتنا، نعم إنسانيتنا تُدين كل سفك للدماءٍ… للدماء البريئة سواء في حلب أم صنعاء أم موسكو أم طوكيو أم حتى بلاد الواق الواق، فالمبادئ لا تتجزأ”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

علم لبنان

بمناسبةِ عيدِ العمّال عودةُ اليسارِ من بابِ اليمين

منعاً للالتباس، هناك فارقٌ بين تغييرِ النظام اللبناني وبين تغييرِ سلوكِ أهلِ النظام، والاثنان ضروريّان. ...

نافذة العرب بالشكل الجديد!

نعتذر من جميع الزوار الكرام عن توقف نشر الأخبار بشكل مفاجئ ولكننا نقوم بتحديث الموقع للشكل الجديد.. إنتظرونا!