بابا شيلني وأنا سأتحمل جراحي وحدي.. الأسبوع التالي للجريمة

منذ شاهدته في المقطع الصادم قبل أسبوع لم يفارق تفكيري ولم تغب عن أذني صرخته #بابا_شيلني ولأن المواجهة أفضل طريقة لتخفيف حدة المشاعر والأفكار قررت زيارته، ورغم مئات الكيلومترات التي تفصلني عنه وصلت أخيراً لغرفته كانت الخطوات القليلة التي تفصلني عنه لأصعب اللحظات وأطولها على الاطلاق؛ دخلت وكأني أعرفه.. ابتسمت له واسرعت نحوه فبادلني عبد الباسط ابتسامة، واستني قبل أن أواسيه وأنا لا أعرف حقيقة ماذا يمكن أن أقول وماهي الكلمات التي من شأنها أن تخفف مصاب طفل فقد رجليه وأمه واخته.

إلى جانبه يقف والده الرجل الأربعيني الذي بدا متفهماً لمصابه وصدمته، وقد ارتفعت عتبة الحزن والألم لديه كباقي السوريين كان لايزال بثيابه الذي جاء بها من بلده الممزق سوريا، سألته عن عبد الباسط؟.. فأجابني بأنه تحسن كثيراً وأن آلامه بدأت بالتراجع منذ اصابته قبل أسبوع أو أكثر بقليل، لم يكن والد عبد الباسط قادراً على استرجاع تاريخ اليوم الفاجع الذي مزق فيه برميل متفجر عائلته أثناء تجمعهم على المائدة.. أخبرني أن أربعة من أفراد أسرته يرقدون في ذات المشفى.

بالإضافة لعبد الباسط ذو العشر سنوات، ترقد أخته الصغيرة في العناية المشددة التي يتقاسم معها الآلام ذاتها، إذ أصيبت الصغيرة بكسور في الأرجل والجسم وشظايا متفرقة ولايزال وضعها حرجا؛ إلى جانب الأخت الكبيرة التي وضعت حملها وكتبت النجاة لجنينها ولكنها لاتزال في المشفى، كذلك زوجها الذي تعرض هو الآخر لكسور في الساق، لكن العدسة لم تستطع أن توثق الجريمة الكاملة وأدركت فحسب صرخة عبد الباسط “بابا شيلني”.

أسأل الأب هل ينام عبد الباسط ليلاً.. يجيبني بأنه يسهر حتى ساعات الصباح وكثيراً ما يستيقظ معتقداً أنه لايزال يمتلك قدمين، ويتابع بالقول “إن عبد الباسط يسألني كثيراً أسئلة تعجيزية لا أملك إجابات لها من قبيل “هل ماتت أمي وأختي ربا حقاً ؟؟ أم أننا نقول ذلك أمام الاعلام فقط ..؟؟ “يصارحني الأب بأنه اخفى الحقيقة المرة عن طفله وأنه يقنعه باستمرار بأن أمه وأخته لا تزالان على قيد الحياة، ولكنهما مضطران لإشاعة خبر وفاتهما على وسائل الاعلام فيقرأ في عيني صغيره آلاف اشارات التعجب عن سبب تخليها عنه في أشد أوقات احتياجه إليها !

اضطررت لخفض صوتي بل وكتمه عندما رأيت دموع عبد الباسط للمرة الأولى، وقد تناها إلى سمعه بعض مما يقوله والده.. أخجل من نفسي ومن طرحي للأسئلة ومن نظرات عبد الباسط التي لا تتوقف من نافذة غرفته ومتنفسه الوحيد إلى العالم الذي فتح عينيه عليه للمرة الأولى هنا من نافذة المشفى، وهو الذي لم يختبر في بلدته في ريف حماة سوى أنواع القذائف والبراميل المتفجرة.

يقول لي والده أنه يراقب بشغف كيف يسير الجميع على أرجلهم ويسأله سؤالاً صعباً آخر “هل سأمشي مجدداً يا أبي؟” .

إحدى الممرضات التي تبدي اهتماماً خاصاً بالطفل تقول : “إنه يتحسن وبأن جراحه تلتئم، وسيحظى قريباً بكرسي متحرك فيما لايزال الحديث عن أطراف صناعية مبكراً بعد”.

إذن فالطفل مطالب بالصبر وتحمل الساعات الثقيلة وحيداً يتيماً غريباً برفقة والده الذي أصبح المعيل الوحيد لأسرة من المرضى تساعده أخته بعض الأحيان بعد أن تمكنت من أخذ ما يسمى إجازة من احد المخيمات التركية .

يتحدث عبد الباسط بسرعة أمام العدسة، كمن يتلو درساً حفظه وكرره لمرات أمام كاميرات سابقة دون تأثر، ويؤمن بأن قدماه سبقتاه إلى الجنة.

على هذه الكلمات بدأ الصغير يغفو ..أتأمل فراغ الروح والجسد أغطيه وأودعه تخونني كلمات حضرتها، وتخنقني دموع أحبسها عن والده ولكني فقط أمام جراحه أعلن استسلامي وألملم معداتي وأذهب بصمت.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ياض سيف

رياض سيف يدعو الفصائل الثورية لإرسال ممثلين ليكونوا ضمن الائتلاف

دعا رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة المنتخب حديثًا “رياض سيف”، الذي عُين خلفًا لأنس ...

نافذة العرب بالشكل الجديد!

نعتذر من جميع الزوار الكرام عن توقف نشر الأخبار بشكل مفاجئ ولكننا نقوم بتحديث الموقع للشكل الجديد.. إنتظرونا!