الإيرانيون خلف الأبواب المغلقة.. حفلات وموسيقى وأحدث صيحات الموضة

هل أهرب أم أستسلم لأولئك الرجال المسلحين؟ لم يكن لدي الوقت للتفكير في ذلك السؤال الذي سيؤثر لاحقا على بقية حياتي. ارتفع عندي مستوى الأدرينالين واتخذت قراري في جزء من الثانية، يجب أن أهرب. كنت أجري عبر شوارع طهران وأنا أرتدي تنورة قصيرة وكعبا عاليا، وهو شيء كان في إيران سنة 1998 (ومازال إلى اليوم) يعتبر عملا إجراميا. كان ذلك بمثابة الركض في ساحة تايمز في الولايات المتحدة والصراخ “عندي قنبلة”، وبالرغم من الخطورة كانت التجربة محررة. كنت وقتها أحس أني لا أقهر.

“قف أو أطلق النار. فات الأوان. لقد لحق الرجال المسلحون بي وبأصدقائي. لن أنسى تلك الليلة أبدا، أو ما تلاها في الأيام الخمسة التالية لأن ذلك غيّر حياتي إلى الأبد. في سن السادسة عشرة دخلت السجن وتلقيت 40 جلدة ‘لجريمة’ ارتداء تنورة قصيرة داخل منزل عندما كنت في حفلة مختلطة”.

ولدت في الولايات المتحدة لكني كبرت في إيران بعد ثورة 1979 حيث فُرضت قوانين صارمة على طريقة لباس المرأة، إذ يفرض القانون على النساء تغطية كامل الجسم ما عدا الوجه واليدين. قبل الثورة كانت إيران بلدا عصريا، وكان باستطاعة النساء ارتداء ما يرغبن فيه وكانت المشروبات الكحولية قانونية والحفلات المختلطة عادية، لكن في 1 أبريل 1979 عندما أصبحت إيران جمهورية إسلامية حدثت تغييرات كثيرة، خاصة بالنسبة إلى النساء.

صدمة ثقافية
لقد غير المرشد الأعلى آية الله الخميني مستقبل العديد من الأجيال القادمة، وخاصة جيلي أنا. تم منع الكحول، ومنعت الحفلات المختلطة، وأصبح الاستماع إلى الموسيقى الغربية غير قانوني، وفرضت قواعد صارمة على طريقة لباس النساء. أغلب الإيرانيين الذين أعرفهم، مثلهم مثل أي أحد في العالم، يحبون الرقص والاستماع للموسيقى والاختلاط الاجتماعي. الإيرانيات خاصة يحببن الموضة، والشباب يحب الاحتفال وارتداء ملابس وفق الموضة والعيش بحرية، لذلك، وبسبب منع الحفلات المختلطة ولد جيل سري من نجوم موسيقى الروك يختفي وراء أبواب مغلقة.

شرع الإيرانيون في بناء حانات ومراقص فاخرة داخل بيوتهم من أجل إقامة الحفلات الخاصة. وكانت المراسم تقضي بأن تأتي الفتيات محجبات كما لو أنهن يخرجن إلى الأماكن العامة ثم يخلعن الحجاب ما إن تبدأ الحفلة. وكانت هذه الحفلات كثيرا ما تقدم مختلف أنواع الكحول والموسيقى وآخر تقليعات الموضة الغربية. وإذا قبضت السلطات الإيرانية على أشخاص يخرقون هذه القوانين، يمكن أن تعرضهم إلى لعقوبات قاسية مثل السجن والجلد وخطايا مالية كبيرة. لقد شكلت الجمهورية الإسلامية جيلا مرّ بين عشية وضحاها من الحداثة إلى الحريات المحدودة، وأدى ذلك إلى صدام ثقافي بين الشباب والحكومة.

سبب لي العيش في ذلك الوسط الكثير من الاضطراب والضبابية. شاهدت برامج تلفزيونية مثل ‘بفرلي هيلز 90210” و’بايواتش’ عن طريق طبق لاقط هو أيضا كنا نملكه بطريقة غير قانونية. وأردت أن أتبع الموضة نفسها مثل أولئك المراهقين الذين أشاهدهم على التلفزيون. كنت أشاهد الناس يشربون الخمر داخل بيوتهم ويستمعون إلى الموسيقى الغربية ويرقصون، لكن لم يسمح لي بإظهار خصوصيتي الفردية عن طريق الموضة في الأماكن العامة أو في المدرسة.

في المدرسة كنت أحس مثل أي فتاة أخرى وأنا أرتدي زيا موحدا يغطي كل الجسم ما عدا الوجه واليدين. كانت كل طالبة تلبس زيا موحدا باللون نفسه يتكون من سروال ومعطف وحجاب. كنت أتوق لأظهر من أنا من خلال كيفية اختيار مظهري. لذلك حتى وإن كنا نعرف بأنه لم يكن يسمح لنا بخلع حجابنا في حضور الرجال، ولم يكن يسمح لنا بتنظيم حفلات، كنا نجتهد كثيرا من أجل الظهور بمظهر حسن يتماشى مع الموضة خلف الأبواب المغلقة.

لكن بالرغم من كل تلك المجهودات لأظهر جميلة في السر، جربت العقاب القاسي بشكل مباشر. في عيد ميلادي السادس عشر تم اعتقالي وأخذي إلى السجن لخمسة أيام مع قرابة ثلاثين من أصدقائي وصديقاتي. وجلدت البنات 40 جلدة والأولاد 50 جلدة. وبعد الحصول على شهادة الثانوية قررت عائلتي أن الوقت حان لأغادر إيران من أجل الفرص الأفضل التي تقدمها الولايات المتحدة، وعندما وصلت إلى هناك أدهشتني الحرية التي تتمتع بها النساء الأميركيات في ارتداء ما يردن.

حرية الإختيار
جربت المعنى الحقيقي لحرية الاختيار. عندما كنت أستيقظ في الصباح كنت أدرك أني لم أكن مجبرة على التفكير في القواعد والقيود والأحكام والعقاب. لم أكن مضطرة للتظاهر بالتدين بدرجة أكبر مما كنت متدينة فعلا، وكنت قادرة أخيرا على استخدام ملابسي لتكوين شخصيتي الفردية لنفسي. كنت أرى مستقبلا سأقيّم فيه وفق شخصيتي، سواء إن اخترت أن أتحجب أو ألبس تنورة قصيرة.

الحرية لا تتعلق بالملابس التي تلبسها، لكن تتعلق بأن يكون لك الخيار لفعل ذلك. رأيت نساء يلبسن الحجاب ومغطيات من الرأس إلى القدمين ويمشين على الشواطئ نفسها مع نساء يتبخترن في بيكيني من صنع أوروبي. حريتهن في الاختيار منحتني القوة. لقد أصبحت أحترم النساء اللاتي تحجبن عن اختيار، كما احترمت تلك النساء اللاتي لبسن البيكيني.

كنت في حاجة إلى أن أجد طريقة للاحتفال بذلك التعايش السلمي. حلمت بإحداث خط موضة من شأنه أن يقوي النساء من أجل تحقيق أحلامهن ولباس أي شيء يردن دون الخوف من الأحكام. أردت أن أصنع شيئا إيجابيا من ماضيّ.

لكن شقّ طريقي في عالم الموضة حيث يحتدم التنافس لم يكن بالرحلة السهلة، قبل أن أجد طريقي إلى النجاح مع الاسم التجاري لملابس السباحة الخاص بي. وعندما تم اختياري الراعي الرسمي لملابس السباحة لمسابقة ملكة جمال العالم في سنة 2010، شعرت بأني أخيرا وصلت بالفعل إلى إنجاز مهمتي “الموضة حرية”. لقد عرضت مسابقة ملكة جمال العالم البعض من أجمل النساء في العالم، لكن النساء الإيرانيات منعن من المشاركة، لذلك كان شرفا كبيرا لي أن أمثل بلدي عن طريق جعل المتسابقات يلبسن ملابس السباحة التي ابتكرتها.

أغلب الناس لا يحتاجون التفكير مرتين في ما يلبسونه كل يوم، لكن في بعض الأماكن من العالم تنزع هذه الحرية البسيطة من الكثير من الناس بحكم القانون. نحن كلنا مختلفون عن بعضنا البعض ونحتفل بهذا الاختلاف عن طريق خياراتنا، إذ من خلال طريقة لباس المرء يمكنك معرفة الكثير، عن شخصيته وعن مزاجه مثلا، فذلك بمثابة التكلم دون كلام. عندما تنزع هذه الحريات البسيطة من النساء فذلك ينزع منهن استقلاليتهن وقوتهن، والقانون في ذلك البلد هو الذي يقيدها وليست النساء بمحض إرادتهن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

توقف الإبادة و تشريد أبناء الشعب السوري يتم بطرد الحرس الإيراني و الميليشيات التابعة له من سوريا

  توقف الإبادة و تشريد أبناء الشعب السوري يتم بطرد الحرس الإيراني و الميليشيات التابعة ...

نافذة العرب بالشكل الجديد!

نعتذر من جميع الزوار الكرام عن توقف نشر الأخبار بشكل مفاجئ ولكننا نقوم بتحديث الموقع للشكل الجديد.. إنتظرونا!