الدب الروسي في الصحراء الليبية

بعد سوريا، مصر، وتُركيا، حط الدب الروسي رحاله في ليبيا، حيث أُعلن أمس عن تحالف عسكري روسي- ليبي “لمحاربة الإرهاب”، بعد مباحثات أجراها قائد القوات المسلحة التابعة للحكومة الليبية المؤقتة “خليفة حفتر” مع رئيس الأركان الروسي “فاليري غيراسيموف”.

وكأن روسيا تفتح ألبوم صور “العسكريون الديكتاتوريون العرب” وتنتقي صورة، لتدعمها في تمزيق بلادها، لتفرض بدورها سيطرتها على الأرض بواقع التفوق العسكري، باحتلالٍ مُبطّن بواجهة “تحالف”. ليبيا التي تشهد حروبًا وانقسامات وتعدد حكومات منذ إسقاط رأس النظام الديكتاتوري السابق “مُعمر القذافي”، تشكل وجبة دسمة للدب الروسي.

سياسيًا، سيطرت روسيا على القرار السياسي السوري، بعدما تمكنت قواتها العسكرية من بسط سيطرتها على الأرض السورية بعد قتل وتهجير الأهالي ومحاولة إقصاء المعارضة المعتدلة. وبعدما لعب الروسي على المصالح المشتركة مع تركيا، مجبرًا رئيسها “رجب طيب أردوغان” على إعادة خلط أوراقه، وبالتالي تغيير مسار خطه السياسي في سوريا، إنطلاقًا من أرضٍ مُشتركة بين الروس والأتراك، والمتمثلة بملف الأكراد. وبعد مصر التي تمكن رئيسها -الذي فرض نفسه بإنقلابٍ عسكري- “عبدالفتاح السيسي” من نقل البندقية من كتفٍ إلى آخر، بدعم المحور الروسي-السوري؛ “السيسي” الذي كان وما يزال داعمًا لقوات “حفتر” في ليبيا. وجدت روسيا ساحة معركة جديدة، تسعى للسيطرة عليها وفرض سياستها بما يخدم أولًا وأخيرًا المصلحة الروسية، والروسية فقط. كما أن ليبيا المنقسمة شرقًا وغربًا وحكومات ثلاث، باتت الآن إمتدادًا للصراع الأميركي – الروسي. حيث تدعم كل من أميركا وإيطاليا حكومة الوفاق الوطني في الغرب الليبي برئاسة “فايز السراج”، والتي فُرضت بقرار وضغط خارجي ولم تُمنح الثقة في البرلمان. وتدعم روسيا الحكومة الليبية المؤقتة في الشرق الليبي برئاسة “عبدالله الثني”، المنبثقة عن مجلس النواب الليبي برئاسة “عقيلة صالح”. بالإضافة إلى موقع ليبيا الذي يتوسط دول أفريقيا والشواطئ الأوروبية التي تشكل مسعى للمهاجرين غير الشرعيين، كابوس أوروبا المؤرق. كما أن هذا التحالف يتيح لروسيا مجالًا لإنشاء قاعدة عسكرية جديدة لها في المنطقة، وبالتالي تعزيز نفوذها. أما إقتصاديًا، ليبيا في مواردها من النفط والغاز الطبيعي، والكميات الهائلة من الذهب الذي كان يختزنه النظام السابق… كنزٌ لا ضير فيه لمن يسيطر عليه.

قائد القوات الليبية المسلحة المشير”خليفة حفتر” على متن حاملة الطائرات الروسية “أدميرال كوزنيستوف” في المياه الدولية قبالة شواطئ طبرق

تردي الوضع الداخلي الليبي، من انتشار الجماعات الإرهابية والمجموعات المتطرفة، والإنقسامات المناطقية والقبائلية، والتسيب والفلتان الأمني، والاقتتال الليبي-الليبي، وإفشال كل مساعي الحلول السياسية، تُشكل إغراءات وحجج لفرض التحالف العسكري الروسي الليبي. وبالتالي، فإن كل ما سبق، يشكّل لروسيا لائحة دوافع جديدة، لتكرار حربها التي نفذتها واستنزفت فيها سوريا في ليبيا التي تُعد لقمة سائغة للمحور الأقوى الذي سيضمها إلى مستعمراته. وبحسب ما يلوح في الأفق، فإن الدب روسي سيقلب موازين القوى على رأس أميركا، التي تمر الآن في حالة هدوء ما بعد الإنتخابات، لن تتبعه عاصفة. إنما يُتوقع بأن يُترجم تخبطًا بعد العشرين من الشهر الجاري، تاريخ استلام “دونالد ترامب” للرئاسة الأميركية. إذ أن سياسة الولايات المتحدة الأميركية في الفترة الأخيرة غابت عنها الإستمرارية في دعم الطرف الذي تواليه في قضايا المنطقة. أضف إلى ذلك سياسة “ترامب” المراهِقة، التي بالكاد ستمنحه الوقت لحلحلة مشاكله الداخلية.

تحالفٌ جديد في المنطقة العربية، يعزز موقف روسيا المعادي للشعوب، ويقدم لها ساحة صراعٍ جديدة تُضيفها إلى أوراق تفاوضها في لعبة القوى الدولية، والتي يُشكل العرب فيها أعواد ثقاب، تُحرق كلٍ بدورها. وأرضٌ عربية جديدة، تطوبها التدخلات الأجنبية ساحة استعراض للقوى وعملة تبادل “تجاري” في النفوذ، فيما لم نفهم حتى اللحظة، أن دول الغرب، من أميركا إلى روسيا مرورًا بدول أوروبا، لم ترد يومًا خيرًا إلا لمصالحها… على حسابنا.

فرح صادق – خاص نافذة العرب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

توقف الإبادة و تشريد أبناء الشعب السوري يتم بطرد الحرس الإيراني و الميليشيات التابعة له من سوريا

  توقف الإبادة و تشريد أبناء الشعب السوري يتم بطرد الحرس الإيراني و الميليشيات التابعة ...

نافذة العرب بالشكل الجديد!

نعتذر من جميع الزوار الكرام عن توقف نشر الأخبار بشكل مفاجئ ولكننا نقوم بتحديث الموقع للشكل الجديد.. إنتظرونا!